القرطبي

250

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا ( 113 ) فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما ( 114 ) قوله تعالى : ( وكذلك ) أي كما بينا لك في هذه السورة من البيان ف‍ ( - كذلك جعلناه قرآنا عربيا ) أي بلغة العرب . ( وصرفنا فيه من الوعيد ) أي بينا ما فيه من التخويف والتهديد والثواب والعقاب . ( لعلهم يتقون ) أي يخافون الله فيجتنبون معاصيه ، ويحذرون عقابه . ( أو يحدث لهم ذكرا ) أي موعظة . وقال قتادة : حذرا وورعا . وقيل : شرفا ، فالذكر هاهنا بمعنى الشرف ، كقوله : " وإنه لذكر لك ولقومك " ( 1 ) [ الزخرف 44 ] . وقيل : أي ليتذكروا العذاب الذي توعدوا به . وقرأ الحسن : " أو نحدث " بالنون ، وروي عنه رفع الثاء وجزمها . قوله تعالى : ( فتعالى الله الملك الحق ) لما عرف العباد عظيم نعمه ، وإنزال القرآن نزه نفسه عن الأولاد والأنداد فقال : " فتعالى الله " أي جل الله ( الملك الحق ) ، أي ذو الحق . ( ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ) علم نبيه كيف يتلقى القرآن . قال ابن عباس : كان عليه السلام يبادر جبريل فيقرأ قبل أن يفرغ جبريل من الوحي حرصا على الحفظ ، وشفقة على القرآن مخافة النسيان ، فنهاه الله عن ذلك وأنزل : " ولا تعجل بالقرآن " . وهذا كقوله تعالى : " لا تحرك به لسانك لتعجل به " ( 2 ) [ القيامة : 16 ] على ما يأتي . وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : لا تتله قبل أن تتبينه . وقيل : " ولا تعجل " أي لا تسل إنزاله " من قبل أن يقضى إليك " أي يأتيك " وحيه " . وقيل : المعنى لا تلقه إلى الناس قبل أن يأتيك بيان تأويله . وقال الحسن : نزلت في رجل لطم وجه امرأته ، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تطلب القصاص ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم لها القصاص فنزل " الرجال قوامون على النساء " ( 3 ) [ النساء 34 ] ولهذا قال : " وقل رب زدني علما " أي فهما ، لأنه عليه السلام حكم بالقصاص وأبى الله ذلك . وقرأ ابن مسعود وغيره : " من قبل أن نقضي " بالنون وكسر الضاد " وحيه " بالنصب .

--> ( 1 ) راجع ج 16 ص 93 . ( 2 ) راجع ج 19 ص 104 . ( 3 ) راجع ج 5 ص 168 .